المقريزي
414
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ثالث ذي القعدة ، وخيم بمنزلة الصالحية وترك الأشرف بقلعة الجبل ، واقتتل مع الناصر في عاشره ، فكانت النصرة له على الناصر ، وعاد في ثاني عشره ، فنزل بالناس من البحرية بلاء لا يوصف ما بين قتل ونهب وسبي ، بحيث لو ملك الفرنج بلاد مصر ما زادوا في الفساد على ما فعله البحرية ، وكان كبراؤهم ثلاثة ، الأمير فارس الدين أقطاي ، وركن الدين بيبرس البند قداريّ ، وبليان الرشيديّ ، ثم في محرّم سنة تسع وأربعين خرج المعز بالأشرف والعساكر فنزل بالصالحية وأقام بها نحو سنتين ، والرسل تتردّد بينه وبين الناصر ، وأحدث الوزير الأسعد هبة اللّه الفائزيّ مظالم لم تعهد بمصر قبله ، فورد الخبر في سنة خمسين بحركة التتر على بغداد ، فقطع المعز من الخطبة اسم الأشرف وانفرد بالسلطنة وقبض على الأشرف وسجنه ، وكان الأشرف موسى آخر ملوك بني أيوب بمصر ، ثم إن المعز جمع الأموال فأحدث الوزير مكوسا كثيرة سماها الحقوق السلطانية ، وعاد المعز إلى قلعة الجبل في سنة إحدى وخمسين وأوقع بعرب الصعيد وقبض على الشريف حصن الدين ثعلب بن ثعلب ، وأذلّ سائر عرب الوجهين القبليّ والبحريّ وأفناهم قتلا وأسرا وسبيا ، وزاد في القطيعة على من بقي منهم حتى ذلوا وقلوا ، ثم قتل الفارس أقطاي ، ففرّ منه معظم البحرية ، بيبرس وقلاون في عدد كثير منهم إلى الشام وغيرها ، ولم يزل إلى أن قتلته شجرة الدرّ في الحمام ليلة الأربعاء رابع عشري ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وستمائة ، فكانت مدّته سبع سنين تنقص ثلاثة وثلاثين يوما ، وكان ظلوما غشوما سفاكا للدماء ، أفنى عوالم كثيرة بغير ذنب وقام من بعده ابنه . السلطان الملك المنصور نور الدين عليّ بن المعز أيبك « 1 » : في يوم الخميس خامس عشري ربيع الأوّل وعمره خمس عشرة سنة ، فدبر أمره نائب أبيه الأمير سيف الدين قطز ، ثم خلعه في يوم السبت رابع عشري ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة ، فكانت مدّته سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام ، وقام من بعده . السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز « 2 » : في يوم السبت ، وأخرج المنصور بن المعز منفيا هو وأمّه إلى بلاد الأشكريّ ، وقبض على عدّة من الأمراء ، وسار فأوقع بجمع هولاكو على عين جالوت وهزمهم في يوم الجمعة خامس عشري رمضان ، سنة ثمان وخمسين ، وقتل منهم وأسر كثيرا بعد ما ملكوا بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم بالله عبد اللّه ، وأزالوا دولة بني العباس وخرّبوا بغداد وديار بكر وحلب ونازلوا دمشق فملكوها ، فكانت هذه الوقعة أوّل هزيمة عرفت للتتر منذ قاموا ، ودخل المظفر قطز إلى دمشق وعاد منها يريد مصر ، فقتله الأمير ركن الدين بيبرس البندقداريّ قريبا من المنزلة الصالحية في يوم السبت
--> ( 1 ) انظر النجوم الزاهرة ج 7 ص 37 . ( 2 ) انظر النجوم الزاهرة ج 7 ص 67 .